محمد بن زكريا الرازي

14

المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )

فالمعتدل له من ذلك ما توسط أجناسه على ما بيّنّاه . فأما كل شيء يتغير بشيء غير مجانس له فإن ذلك الاعتبار يوجب له أوصافا متضادة مثل ما وجب من وصف الذين زعموا أن الربيع حار رطب من قيل أنه أحرّ من الشتاء وأرطب من الصيف . فلزم من هذا أن يكون أيضا باردا يابسا لأنه أبرد من الصيف وأجفّ من الشتاء . فانعكست القضية فيه من هذه الجهة ووجب ألّا نختبر المزاج إلا من جهة طبعه في نفسه . فيقال أن الشتاء بارد يابس ( 1 ) من جهة أن البارد فيه أزيد من الحار والرطب أزيد من اليابس وعلى هذه الجهة يقال أن الصيف حار يابس من قبل أن الحار فيه أكثر من البارد واليابس أكثر من الرطب وإذا أسخن للربيع على هذا القياس كان معتدلا أعني أنه متوسط بين الإفراط لا تتبين غلبة إحدى الكيفيّتين على صاحبتها . ومن قبل هذا قال بقراط : « إنّ الربيع أصحّ الأوقات وأقلّها موتا » . فأما الخريف فليس من الصواب أن يقال أنه بارد يابس كما قال قوم فيه وذلك أنه لا يوجد معتدلا على السواء مثل الربيع بل هو مانل إلى اليبس ويختلط بين الحر والبرد على غير استواء وقد يكون في وقت من الأوقات في يوم واحد مرة حر ومرة برد . والذي جعل الخريف ممرضا هو اختلاف مزاجه . فاعلم أن الإنسان والفرس والثور والكلب وغير ذلك من الحيوان أنواع يشملها جنس الحيوانية وأن الإنسان متوسط في مزاجه بين جنس الحيوانية والمعتدل هو المتوسط أيضا بين ما كان من نوعه أعني الأبدان الإنسانية التي أوصافها فوق وصفه أو دونه وليست المساواة والاعتدال في سائر الأجسام هي تساوي الأسطقسّات التي امتزجت منها تلك الأجسام كما قد قلناه مرة ولكن بحسب ما يليق بطبيعة كل حيوان وكل نبات وغيره والذي يليق ربما كان أن يكون الرطب أكثر من اليابس والبارد أكثر من الحار .